كتب شون ماثيوز أن إريتريا، الدولة المنغلقة نسبيًا والمتمركزة في موقع بالغ الحساسية على البحر الأحمر، عادت إلى واجهة الحسابات الإقليمية باعتبارها نقطة ارتكاز محتملة في التنافس المتصاعد بين السعودية والإمارات. وأفاد مسؤولان عربيان مطّلعان بأن القاهرة تعمل على تعميق الروابط الأمنية بين إريتريا والرياض، بهدف موازنة تنامي النفوذ الإماراتي في إثيوبيا، في سياق يعكس تحولات أوسع في خريطة التحالفات على ضفتي البحر الأحمر.
أشار ميدل إيست آي إلى أن هذه التحركات تستلهم اتفاقًا دفاعيًا أبرمه الجيش السوداني مع باكستان في يناير الماضي، ويُنظر إليه على نطاق واسع بوصفه اتفاقًا ممولًا سعوديًا، رغم غياب مؤشرات عملية على وصول أنظمة التسليح حتى الآن. وكشف الموقع أن رئيس أركان القوات الجوية الباكستانية ظهير أحمد بابر صديقي تفاوض مع الفريق طيار تركي بن بندر بن عبدالعزيز ممثلًا عن القوات الجوية الملكية السعودية، لصالح قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان.
إريتريا بين محورين متنافسين
تعكس الوساطة المصرية مساعي لإعادة تشكيل التوازنات في منطقة تتشابك فيها المصالح الخليجية والأفريقية. وبدت علاقات القاهرة وأسمرة، خلال سنوات سابقة، وثيقة مع أبوظبي، غير أن هذه الروابط شهدت فتورًا متزايدًا على خلفية الحرب في السودان وتداعيات الحرب على غزة. وحافظ الرئيس الإريتري إسياس أفورقي، الذي يحكم البلاد منذ الاستقلال عن إثيوبيا عام 1993، على سياسة خارجية حذرة تقوم على استثمار موقع بلاده بدل الانخراط في محاور ثابتة.
وشكّلت إريتريا في وقت سابق مركزًا لعمليات عسكرية إماراتية خلال الحرب في اليمن، إذ استضاف ميناء عَصَب قاعدة إماراتية قبل أن تُفكك عام 2021. ولاحقًا، عززت أبوظبي شراكتها العسكرية مع إثيوبيا، الخصم التاريخي لإريتريا، ما أعاد رسم خطوط التوتر في القرن الأفريقي ودفع القاهرة للبحث عن ترتيبات أمنية مضادة.
مصر والسعودية وحسابات البحر الأحمر
يرى خبراء أن دعم إريتريا يخدم أولويات الأمن القومي المصري، خاصة في ظل القلق المتصاعد من سياسات أديس أبابا المرتبطة بسد النهضة وتأثيره على مياه النيل. وتحدّث مايكل وولدماريام، الخبير في شؤون القرن الأفريقي بجامعة ماريلاند، عن منطق هذا التوجه، موضحًا أن القاهرة تمتلك دوافع قوية لكنها تواجه قيودًا مالية، ما يجعل إشراك الرياض خيارًا عمليًا نظرًا لقدرتها التمويلية.
وأكد وولدماريام أن أسمرة لا تحتاج إلى إقناع مصري للانفتاح على السعودية، إذ تسعى منذ سنوات إلى تنويع شراكاتها وتقليص الاعتماد على محور واحد. ويضيف أن إريتريا خرجت من حروب متتالية وتحتاج إلى تحديث قدراتها الدفاعية، خاصة في ظل مخاوفها من التفوق الجوي الإثيوبي والطائرات المسيّرة.
من جهته، أشار مارتن بلوت، الباحث في شؤون إريتريا ومؤلف كتاب «فهم إريتريا: داخل أكثر دول أفريقيا قمعًا»، إلى عمق العلاقة التاريخية بين القاهرة وأسمرة، معتبرًا أن الرئيس أفورقي بارع في المناورة بين المحاور الإقليمية واستثمار التناقضات لصالحه.
تحالفات متحركة ومخاطر التنفيذ
تتزامن هذه التحركات مع تصاعد التنافس السعودي الإماراتي في ملفات إقليمية عدة، من السودان إلى القرن الأفريقي. وكشف التقرير أن الإمارات عززت وجودها العسكري في إثيوبيا، مع تسجيل رحلات جوية مكثفة لطائرات نقل عسكرية إلى قواعد إثيوبية، في وقت تشير فيه تقديرات إلى اعتماد أبوظبي على أديس أبابا لدعم قوات الدعم السريع في السودان.
في المقابل، تدعم مصر والسعودية الجيش السوداني، ما عمّق الشرخ بين الرياض وأبوظبي. وبرزت إريتريا، في هذا السياق، كحلقة يمكن من خلالها تقليص النفوذ الإماراتي، خصوصًا مع محدودية مواردها المالية واعتمادها على الضرائب المحلية وعائدات التعدين ورسوم المغتربين.
غير أن خبراء يحذّرون من صعوبة تحويل هذا التقارب إلى اتفاقات عملية قابلة للتنفيذ. فالتجربة السودانية–الباكستانية تكشف تحديات التمويل والالتزام طويل الأمد، خاصة مع انشغال السعودية بملفات اقتصادية داخلية. وتبقى قدرة القاهرة وأسمرة على إقناع الرياض بالانتقال من التنسيق السياسي إلى الدعم العسكري الملموس موضع اختبار.
تعكس التحركات الجارية واقعًا إقليميًا يتسم بسيولة التحالفات وتراجع الثوابت التقليدية. وتكشف إريتريا، مرة أخرى، عن قدرتها على لعب أدوار تفوق حجمها الجغرافي والديمغرافي، مستفيدة من تناقضات القوى الكبرى في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، بينما تظل النتائج النهائية رهينة توازنات دقيقة وحسابات تتجاوز حدود دولة واحدة.
https://www.middleeasteye.net/news/egypt-and-saudi-arabia-focus-eritrea-uae-bolsters-ties-ethiopia

